غانم قدوري الحمد
215
الدراسات الصوتية عند علماء التجويد
والجيم . وهي لغة سائرة في اليمن ، مثل : جمل ، إذا اضطروا قالوا كمل » « 1 » . ويلاحظ القارئ هذا الفرق بين قول ابن دريد ، وقول ابن فارس الذي أخذه عن ابن دريد ، فإما أن نقول أن ابن دريد أراد أن يقول بين القاف والكاف وبين الجيم والكاف ، وأن ابن فارس اختصر عبارة ابن دريد فحذف ( الكاف ) الثانية ، وإما أن نقول أن هذه الكلمة زيدت على النص الأصلي عند ابن دريد . خلاصة ذلك أن علماء العربية وعلماء التجويد لاحظوا وجود نطق للقاف في اللهجات العربية يشبه ( الكاف المجهورة ) التي تغلب على نطقنا للقاف اليوم في العربية الدارجة ، والتي يشار إليها على أنها تمثل نطق أهل القاهرة اليوم للجيم . فهي في عاميتنا تمثل القاف ، وفي عامية أهل القاهرة تمثل الجيم ، فهل كان سيبويه وعلماء العربية والتجويد من بعده يصفون هذا الصوت المجهور الذي يمثل نطق القاف في بعض اللهجات العربية القديمة والحديثة معا ؟ . النصوص المتيسرة تنفي أن يكون سيبويه حين وصف القاف بأنها صوت مجهور قد أراد بذلك ( الكاف المجهورة ) ، لأنه كان قد حدد مخرج القاف من نقطة هي أعمق من النقطة التي تخرج منها الكاف « 2 » . ومن غير المحتمل أن يغيب عن سيبويه أن ( الكاف المجهورة ) تخرج من موضع الكاف العربية المهموسة نفسه ، ولو أنه أراد بالقاف حين وصفها بالجهر ( الكاف المجهورة ) لجعلهما من مخرج واحد على نحو ما فعل بعدد من الأصوات مثل : ع ح ، غ خ ، ط د ت ، ص ز س ، ظ ذ ث . فكونه فرق بين مخرج القاف ومخرج الكاف ينفي هذا الاحتمال . والنصوص التي ذكرناها من قبل عن ابن دريد والسيرافي وعبد الوهاب القرطبي تشير إلى أن العلماء قد ميزوا منذ وقت مبكر بين القاف الفصيحة والقاف العامية التي هي ( الكاف المجهورة ) . ومثل ذلك قول ابن الحاجب ( ت 646 ه ) في شرح المفصل : « وبقي حرف لم يتعرض له ، وإن كان ظاهر الأمر أن العرب تتكلم به ، وهي القاف التي كالكاف ، كما يتكلم بها أكثر العرب اليوم ، حتى توهم بعض المتأخرين أن القاف كذلك كانوا ينطقون بها ، حتى توهم أنهم كذلك يقرءون بها . والظاهر أنها في كلامهم ، وأن القاف الخالصة أيضا في كلامهم وأن القرآن لم يقرأ إلا بالقاف الخالصة على ما نقله الأثبات متواترا ، ولو كانت تلك قرئ بها لنقلت كما نقل غيرها ، ولما لم تنقل دل على أنها لم يقرأ بها ، أو قرأ بها من لم يعتد بنقل عنه » « 3 » .
--> ( 1 ) الصاحبي في فقه اللغة ص 36 . ( 2 ) الكتاب 4 / 433 . ( 3 ) الإيضاح في شرح المفصل 2 / 284 .